جنتي المحتلة
الغالية فلسطين .. يا من تغنى بها درويش وغنت لها فيروز، أعِدُكِ عندما أصبح في الخمسين سأزورك ، وأبعثر رمال شواطئك الشقيّة ، أتنفس عبق التاريخ فيكِ ، و ألتهم عمري الذي مضى في بُعدِك ، عاجزة أنا أمامك ، تبعثرت حروفي على أعتابك ، حبّكِ يا عظيمة كالغجري الذي كلما داهمه الحزن أخرج نايه وأطرب قلبَهُ و من حوله ، أحببتك بقدر ما انتظرت قطار الوصول إلى ربوعك ، ستبقي لغزي الجميل الذي يصعب حله ، و تذكرتي إلى الحياة ، و حلمٌ لا يموت ..
فلسطين ، كلمةٌ لكنها حياة .. قصاصات ورقٍ رسمت عليها خارطة هذا الوطن ، صورُ مدنٍ و شوارع عتيقةٍ لم تزرها ، لا تعرف منها إلا ذكرياتِ جدِّك و حكايا كتب التاريخ التي تكتم أكثر مما تكتب ، ساحات المسجد الأقصى و أبواب القدس العتيقة العريقة ، كنيسة المهد و كنيسة القيامة .. فلسطين فيتسلل إليك طيف الكنافة النابلسية ، و تشتعل حواسك برائحة كعك القدس الأصيلة .. تتراءى لك صور حارات مخيم الجلزون و نور شمس الصامد .. يخفق قلبك عند اسم شهيدٍ قضى في دفاعه عن أرضه و وطنه .. هذه فلسطين .. ، هذه الأرض التي تعيش فينا و نعيش فيها .. فلسطين التي ما تفتأ تزدادُ جمالًا و حبّاً و طيبةً و اخضراراً وشوقاً للحرية .. هذه فلسطين التي لا زالت تعاني ألم الغربة و وجع الفرقة و حسرةَ غياب أبنائها .. هذه التي يزدادُ بؤسها كلما قامَ حاجزٌ و ازدادت صور الجنودِ المدججين بالسلاح على المعابر ، كلّما غُرِسَ خنجَر الجدار الإسمنتيّ في صدرها ليقطع شرايينها و يفصل قدسها العتيقة عن بيارات يافا و سور عكا الشامخ العتيد، ليُسكِتَ أجراس القيامة والمهد و يمنع أذانَ الفجرِ إذا تنفّسَ الصبحُ في مسجدِ البحر في يافا .. هذه فلسطين .. التي مُنِعت من شواطئها البعيدة القريبة، بيني و بينكِ تصريحُ زيارةِ يختمهُ المحتلُّ يا أرضي .. ، هذا الشغف في قلبي لرؤيتكِ يأسِرُهُ زائرٌ من روسيا جاء ليجلسَ في بيتي على شاطئ حيفا ، يوقظه كل صباحٍ هدير البحر .. يسلب أبسط أحلامي منّي و يلتهمَ وطني بشراسة..
و إن سألتني عن فلسطين الداخل .. هذا الاسم المستعار الذي أطلقه المغتصب على فتاةٍ عشرينيّة جعلها في الثمانين من عمرها .. إنها فلسطين .. أينما ألقيت نظركَ تجدُها جنّةً تتربّع عرشَ كوكبنا الصغير .. كبيرةٌ بوجعها ، عظيمةٌ بتاريخها ، أنيقةٌ بتراثها . هذه التي يسردُ لي جدّي تفاصيلها .. كيف كانت و كيف ذهبت .. كيف رحلوا منها و كيف مات صديقه رمياً بالرصاص و آخر نحراً .. يحدّثني عن صوت المطر المزعج في مخيماتِ اللجوء .. عن البرد القارس الذي لا يردُّهُ قماشُ خيمةٍ ولا ألواح (زينكو) ملوّنة بألوان العلم الفلسطيني .. يحدّثني عن كرت المؤن و أكياس الطحين المطبوعة باللون الأزرق .. إن سألتني عن فلسطين أحدّثك عن بيتٍ تفوح منه رائحةُ التاريخ العريق .. بيتٌ ينسيهم معاناة ثمانيةٍ و ستينَ عاماً على النكبة .. و يجمعهم من شتات العالم إنها فلسطين ، الجنّة المحتلة ..
#احكيلنا_عن_فلسطين












