الثلاثاء، 19 أبريل 2016

من أسواق الحميدية إلى قلب دمشق الصغرى فلسطينية تقاوم هجمات الحياة


تسللت أشعة الشمس إلى منزلها لتيقظها بعد سبات هادئ مريح، وعلى صوت هديل الحمام، ورائحة الياسمين الشامي التي تغلغلت إلى أنفاسها، أخدت تعد قهوة الصباح لزوجها، وتصنع وجبة الإفطار لصغارها، تأكدت من حقائب المدرسة، وبابتسامة سعادة رافقتهم حتى باب المنزل، وودعتهم قائلة "في أمان الله".

هكذا اعتادت الفلسطينية-السورية أم فراس بدء صباحها، في منزلها القابع في مخيم اليرموك في سوريا، قبل لجوئها إلى فلسطين، هرباَ من براثن الحرب السورية برفقة أطفالها الثلاثة بأعمارهم المختلفة،وتقول لنا:"أرغمت على ترك زوجي ومنزلي في مخيم اليرموك لأنقذ حياة أبنائي، فنيران الحرب المشتعلة منذ عام 2011 في الأراضي السورية  وحتى هذه الأثناء، لا تعرف كبيراَ ولا صغيراً ولا  حتى رجلاً ولا أمرأةً، إلا وانتهكت حرمته وكرامته وهدرت إنسانيته على قارعة الطريق".
وبعد موجات الهروب المتكررة، من منطقة إلى اخرى، وما  ذاقوه من ويلات التشرد وضيق السبل في شتى مناحي الحياة ، لم يكن الحل أمامهم إلا الهجرة إلى طريق مجهول، فحملوا ما تبقى في حوزتهم من أمتعة، متوجهين برحلة إلى الحدود السورية الاردنية،  ثم التوجه إلى الأردن،ومحاولة إتمام الأوراق الرسمية، وتسجيل الولاد  في هويتها في أسرع وقت ممكن ، ليتمكنوا من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية".

حياة كالآخرين
و من أسواق الحميدية في العاصمة دمشق إلى الخان في مدينة نابلس، تشتري هذه السيدة حاجياتها لصناعة بعض المأكولات الشامية، كبة شامية بأنواعها، تبولة، ورق عنب، وغيرها من المأكولات التي تصنعها بشكل يدوي، تبيعها لتؤمن قوت أطفالها وأجرة بيت متواضع، فتسترسل قائلة:"باستمرار كنت أبحث عن ظيفة أو أي عمل، لكني لا أحمل شهادة جامعية، هذا كان له دوراً في حصرعملي في بيتي وفي مطبخي الصغير، اعمل ليل نهار لتوفير العيش الكريم لأطفالي، وبالنسبة لنابلس كانت ملاذنا الاول لنكمل باقي الحياة فيها وذلك لوجود أقاربي هنا، ولأن طبيعة الأسواق واللهجة  فيها تشبه البيئة الشامية كثيراً".
فقدان و مرارة
بفنجان قهوة لم يتم وضع السكر بين أجزائه يعكس قليلا من مرارة هذه الحياة، وابتسامة اجهدت نفسها على الخروج، تكمل أم فراس حديثها":زوجي مواطن سوري الأصل، مصاب بمرض الفشل الكلوي، خضع لعمليةٍ لزرع كُلية، إلا أنها لم تنجح بالشكل المطلوب، وعليه فقد بقي في أحد مشافي العاصمة دمشق، ليغسل الكلى ثلاث مرات أسبوعيا، وفي نتيجة الأمر يستحيل عليه السفر، فزوجي قد عاش وحيداً فيي تلك البلاد، بعيدنا عني وعن أطفاله، ولم تكن الحياة سهلة بدونه أبداً لكننا نريد والله يفعل ما يريد".
ولم يسلم أطفال أم فراس من الصعوبات والمشكلات، فالتربية والتعليم الفلسطينية، قامت بإرجاعهم عام دراسي كامل وهذا بسبب اختلاف مناهج التعليم والتدريس بين الدولتين، وعلى هذا أصبح أكبرهم في الصف التاسع بدل من العاشر، هذا شكل له بعض المشكلات مع أقرانه، بالإضافة إلى ضغوط نفسية تعرض لها منذ بدء الحرب ومرحلة اللجوء حتى الاستقرار المؤقت".
وتركت ذكريات الحرب قليلاً من الأمل والحياة، فأحلام الأطفال لا يفسدها الواقع المؤلم، طفلة بعمر الثامنة، بشعر أسود طويل، تتأمل نافذتها وتقول" أتمنى أن أعود  إلى غرفتي الصغيرة، وأن ألعب مع صديقتي المفضلة  مرة أخرى".
تعود  أم فراس بذاكرتها، مضيفةً لنا ما كان في ماضيها القريب:" زوجي كان يمتلك أحد مصانع العباءات والملابس التي تحاك بطريقة يدوية، فوضعنا الاقتصادي في تلك الأوقات كان جيد جداً، ولكن بعد إصابته بمرض الفشل الكلوي أجبرنا على بيع سيارتنا، ومحلنا، ولم يبقى لنا سوى البيت الذي نسكنه في هذه اللحظة، وها أنا أحاول قدرالإمكان بأن يعيش أولادي بالمستوى الاقتصادي الذي اعتادوا عليه".
قصف، ورصاص و تدمير كلها انتهاكات يتعرض لها الفلسطينيين في مخيم اليرموك في حين تنعم مناطق فارهة بالراحة والأمان مثل المالكي، وأبو رمانة، حيث تشير السيدة بأنها انتقلت إلى أكثر من منطقة سورية قبل هربها من البلاد ولكن جميع المناطق كانت تشكل خطرا على حياتهم لأن الحرب لا تميز بين المدنين وغير المدنين.
وفي تمام ال10 صباحاً حاولت ام فراس أن تكمل لنا قصتها المأساوية  بما تبقي لديها من قوة في جسدها النحيل المتعب، فحشرجة الدموع تسيطر على صوتها إلا انها تقاوم تساقطها، فتوضح:"تراجع وضع زوجي الصحي وساءت حالته، دعوت الله كثيراُ ان يشفيه ويساعده فهو في سوريا وانا في فلسطين ولا تطول يداي سوا على الدعاء، إلا ان قدرة الله وإرادته كانت الأقوى،" ودموع سقطت كأنها تحرق وجنتيها لتعلن إنتهاء مقاومتها،" توفي زوجي متأثراً بمرضه منذ حوالي سنة وأربعة أشهراستقبلت هذا الخبر بالصراخ والدموع، في محاولة مني عدم التصديق، كأنه كابوس أحاول جاهدة الاستيقاظ منه، إلا أنه أمر واقع ولا مكان للأحلام، فما كان بمقدوري وأنا في مكاني هنا في مدينة  نابلس إلا بالدعاء له بالمغفرة والرحمة".

وهكذا وعلى طرفي الحدود  تسكن ارواح لطالما تناجت تومئ بالأمل وتبشر بمستقبل لعله يحمل بين طياته ما يسد رمق الحب المنثور في زقاق وطني المكلوم … ويبقى الأمل.

مواضيع ذات صلة

من أسواق الحميدية إلى قلب دمشق الصغرى فلسطينية تقاوم هجمات الحياة
4/ 5
Oleh

إشترك بنشرة المواضيع

.اشترك وكن أول من يعرف بمستجدات المواضيع المطروحة